مقدمة المؤلف
مقدمة المؤلف
الإحسان في تدبر القرآن
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءانَ وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا [النساء 82/4]
هذا الكتاب ــ إن شاء الله تعالى ــ نقلة نوعية بالتعامل مع القرآن الكريم و فهم الإسلام.
وهو نظرة مستقبلية و للمدى البعيد.
موضوعه مثل عنوانه: حسن تدبّر القرآن الكريم.
كلمة الإحسان تشير إلى الحديث الشريف الذي يعتبر الإحسان مقاماً و درجة عالية في العبادة.
الإحسان هو : «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .
فـ «كأنك تراه تعني الشهود، و إذا وصل الشخص إلى مرتبة الشهود، فإنه يشهد بحقيقة الأمر، كذلك إذا تدبر القرآن وصل تماماً إلى هذه الدرجة.
كلمة الإحسان إشارة إلى كلّ الكلمات المبنية على جذر «حَسَنَ» في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى و زيادة ﴾ [يونس: 10/ ٢٦ ] والحسنى هي الجنة،
وكذلك هو إشارة إلى أسمائه الحسنى كما في قوله تعالى:
﴿ و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها ﴾ [الأعراف: 7/ ١٨٠ ].
القرآن الكريم مجال مقدّس وعلى درجة عالية ، إذ إنه كلام ربّ العالمين في كتابه الذي أنزله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
بذلك فإنه يستحيل الشروع في التعرّف على القرآن الكريم و تدبّره، قبل تخليص النفوس و العقول مما تسرّب إليها من شوائب و أخطاء، تمنع أو تعرقل الاقتراب منه و تحجب نوره. [{10-01}]
مما يقتضي أن يطهّر المرء نفسه و ثيابه و ما معه بما يليق، قبل الدخول في مجال مقدس.
و السؤال كيف لنا أن نفسر القرآن الكريم، و عقول الكثيرين ملأى بمفاهيم مغلوطة تحجبهم عنه؟! كيف؟
كيف لنا أن يقال شيء و يفهم شيء آخر؟
كيف لنا أن نتفاهم؟
بناءَ عليه؛ كان لا بدّ قبل البدء في التفسير من تخليص النفوس من كل ما يعيقها؛ للدخول بخطوات في رحاب القرآن الكريم و بالشكل الأمثل وتبيان نقطة لا يفهمها كثيرٌ من الناس ، أنه من التجربة يتضح أن لا مكان للحلول الآنية مع القرآن الكريم؛ أي لا مجال فيه للترميم أو الحلول المؤقتة الآنية إطلاقاً.
لا يمكن ترميم الأشياء التي هي أصلاً مربكة فلابد لفهمه من حلول جذرية.
الحلول الجذرية تحتاج إلى بُعد نظر؛ لأن من يخطط لأربعين أو ستين سنة تفكيره مختلف عن تفكير الناس.
هذا الكتاب عبارة عن نظرة مستقبلية و للمدى البعيد.
وهو مشروعٌ ضخمٌ جداً فيه بُعدُ المرمى.
قبل فترة كان لي نقاش مع شخص يعيش في أوربة، كان يتكلم عن أمور كثيرة، وقتها قال لي: «لم يكن الشيطان في حياته بهذه القوة أبداً مثلما هو الآن عليه» . فأجبته: «لا، و إنما في حياته لم يكن بهذا الاستفزاز والإغواء» .
لا، الشيطان ليس قوياً، كيده ضعيف.
هناك فرق كبير،
فرق كبير و جذري بين كيده وبين استفزازه و دأبه لضلال الناس
كيده ضعيف، هكذا قال عنه ربّ العالمين: ﴿... إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 4/76 ]، لكنه على أشد ما يكون من دأب لإغواء و إضلال ذرية آدم.
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ {82}إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 38/82-83 ].
سبحان الله، نجاحه بضعف الناس وبعدهم عن الله سبحانه و تعالى.
المهم، قال لي ذاك الشخص: «لديّ إحساس أني لم أعد أستطيع أن أكلم الناس. كلهم ضائعون و لا يرون و لا يسمعون...
(فتذكرت إحدى لوحاتي: «نظرة من العالم الآخر» )، قال لي: إنه يشاهد فظائع و لا يستطيع أن يتكلم، يرى الزواج المثلي، و الانحلال الخلقي و غيره... يشاهد و لا يستطيع أن يتكلم.
لا أحد يسمع له، و لا أحد يفهم عليه.
هذا الكتاب، من نمط الحلول الجذرية للإشكالات السابقة وغيرها، ولكن يحتاج من القارئ أن يفهم تماماً ما هو المقصد؛ فالمرمى بعيد جداً وهو عملية إصلاح جذرية.
الكتاب ليس من النوع الذي يهمل مسألة فلا يعيرها اهتماماً، لكن بعد ثلاثين سنة تصبح مصيبة كبيرة، فلا نتركها. مثل تسرب لقطرة ماء في مبنى لا أحد يكترث لها. أما من لديه نظرة و خبرة فيرى أن هذه القطرة إن تركت فمع الزمن قد تتسبب بخراب المبنى بأكمله.
النص مصمم بهذه الطريقة، بحاجة لمن يفهمه.
الناس معتادون على حلول يريدون منها نتائج آنية سريعة. لكن النتائج الآنية السريعة تبقى آنية؛ يعني مفعولها آني، سوف يعود الوضع لاحقاً لما كان عليه.
أما من لديه رؤية فيقول: لماذا نأخذ هذا الطريق؟ و إلى أين يوصلنا.؟ لنأخذ طريقًا آخر وسترون إلى أين يوصل.
قد يعتقد الناس أنه طويل ولكنه بالواقع قصير؛ لأنهم لا يرون نهاية ذاك الطريق و إلى أين يوصلهم، فنظرهم موجّه إلى غير مكانه، أو نظرهم قريب فلا ينظرون إلى الأفق البعيد.
ما أكثر التصورات التقريبية، إن لم تكن مغلوطة، عن الإسلام و التي يتداولها العالم كله بما فيهم المسلمون أنفسهم.
الفكرة إن أراد شخص قراءة القرآن، فالقرآن يبقى نفسه، و لكن الشيء الذي يفهمه الشخص هو فهمه الذي وصل إليه.
أي إن فهم الشخص ليس مرتبطاً بالقرآن و إنما مرتبط بعقلية وثقافة الشخص.
و بالتالي فإن فهم القرآن الكريم من شخص إلى آخر مختلف جذرياً.
كيف نسوّي بين الناس حتى يصعدون جميعاً في فهم القرآن فهماً سليماً، و ليس كلّ واحد على طريقته.
هل من السليم أن يفهم كلّ واحد منهم على طريقته، و يبقى في ذهنه تصورات تؤثر فيه من حيث لا يدري.
فرق كبير بين أن يكون أحدهم متأجّجاً و متوهّجاً بإيمانه بالشيء الذي يقرؤه من القرآن، و بين كونه مجرد مسلِّماً به، و لسان حاله يقول: آمنا و سلمنا، كلام الله لا نناقش.
فأين هذه النفس الكامدة من تلك النفس المتوهجة للشخص الذي يعي و يتدبر الذي يقرؤه؟! هناك فرق جذري.
هذا الكتاب مسلكي ــ والحمد لله ــ ما أردته فيه أن لا يبقى أي تشنج في قلب أي قارئ للقرآن، حول أي مسألة يقرؤها و يمرّ عليها و لكن في خفايا نفسه و أعماقه ليس مهتماً لها.
ما أريده هو أن تسجد نفسه أمام كلّ آية تعظيماً لها. تتمنى نفسه تقبيل أنوار هذه الآية. تتمنى نفسه أن تتحول إلى كلمة حمد لتحمد الله تعالى على هذا الفضل، و ألا يقول: لا بأس سلّمت و في أعماقه ليس مسروراً.
الكتاب لحل الإشكالات واحدة واحدة هذه و تلك و تلك، إلخ.. و أشياء لا يقدّر الشخص قيمتها إلا إن كان ضمن مجتمع ذي ثقافة عالية و طُرح موضوعٌ عن الإسلام، فعندها إن كان مستوعباً لكلامي تماماً، وقتها يفهم لماذا قيل ذلك.
في الكتاب أقوم بتجهيز جمل و أفكار بحيث إذا وُضع الشخص بموقف و طُرح عليه سؤال عن الإسلام أن يعرف كيف يجيب؛ هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى؛ الأفكار المطروحة في الكتاب إن طرحت أمام شخص غير مسلم أو شخص اعتنق الإسلام حديثاً؛ فالأمور تصبح أكثر وضوحاً أمامه، أو إن طرحت أمام مسلم أباً عن جد؛ فهي تصحيح للمفاهيم.
أخيراً: من الجدير بالذكر أن هذا الكتاب يحسب حساب قارئ غربي أو غير مسلم يقرؤه، لذا فهو يبيّن أن الإسلام الحالي بعيد كل البعد عن الإسلام الأصيل، و السبب في ذلك هو طريقة طرح الإسلام التي لا تمثل روح و حقيقة الإسلام.
و يبين بسرعة أنه كلما كان المسلم متلقياً دينه عن جهات غير مؤهلة، كلما كان بالواقع بعيداً عن روح الإسلام و حقيقته.
لذا توجد أفكار مبتكرة هي في الحقيقة مقدمة لشخص غربي أو غير مسلم.
عموماً بُعدُ المرمى هو النهج الذي اتبعته في هذا الكتاب؛ لذا أعود مؤكداً:
أن الكتاب نظرة مستقبلية و للمدى البعيد. وفيه نقلة نوعية بالتعامل مع القرآن الكريم و فهم الإسلام، إن شاء الله تعالى.
الحمد لله
الحمد لله وسبحانه وتعالى الذي مَنَّ علينا بهذا الفضل.
